وجود شرط تحكيم في العقد لا يمنع أحد الأطراف ماديًا من رفع دعوى أمام المحكمة التجارية، لكنه يغيّر طريقة تعامل المدعى عليه مع الدعوى جذريًا. السؤال الحاسم ليس فقط: «هل يوجد شرط تحكيم؟» بل أيضًا: «متى وكيف تمسكت به أمام المحكمة؟». نظام التحكيم السعودي ربط أثر هذا الدفع بتوقيت واضح، وهو ما يجعل أول مذكرة أو أول طلب في الدعوى التجارية مرحلة حساسة جدًا. فإذا دخل المدعى عليه في أصل النزاع وقدم دفاعًا موضوعيًا ثم عاد لاحقًا ليتذكر شرط التحكيم، فقد يكون قد أضاع فرصة الاستفادة من الدفع بالطريقة التي رسمها النظام.
هذه المسألة مهمة للشركات التي تتعامل بعقود توريد ومقاولات وخدمات وشراكات تحتوي شروط تحكيم، لأن فريق الشركة قد يستلم إشعار الدعوى التجارية أولًا من خلال منصة قضائية ثم يسارع إلى الرد على المطالبة المالية من غير الرجوع للعقد. النتيجة قد تكون تقديم جواب موضوعي يسبق التمسك بشرط التحكيم. لذلك فإن الإجراء الصحيح عند وصول صحيفة دعوى هو فحص بند تسوية المنازعات قبل صياغة أي دفاع.
ما الذي تقوله المادة الحادية عشرة من نظام التحكيم؟

تنص المادة الحادية عشرة في فقرتها الأولى على أن المحكمة التي يرفع إليها نزاع يوجد بشأنه اتفاق تحكيم تحكم بعدم جواز نظر الدعوى إذا دفع المدعى عليه بذلك قبل أي طلب أو دفاع في الدعوى. صياغة النص تجعل التوقيت عنصرًا جوهريًا: الدفع يجب أن يسبق الدخول في الطلبات أو الدفاع الموضوعي. لذلك ينبغي أن يكون شرط التحكيم أول ما يفحصه ممثل الشركة عند استلام صحيفة الدعوى.
كما تنص الفقرة الثانية من المادة نفسها على أن رفع الدعوى أمام المحكمة لا يحول دون البدء في إجراءات التحكيم أو الاستمرار فيها أو إصدار حكم التحكيم. وهذا يعكس استقلال المسار التحكيمي عن مجرد قيام أحد الأطراف برفع دعوى قضائية رغم وجود الاتفاق، ما دام الموقف الإجرائي يُدار وفق النظام.
ما معنى «قبل أي طلب أو دفاع»؟
هذه العبارة لا ينبغي التعامل معها بتساهل. المقصود عمليًا أن المدعى عليه الذي يريد التمسك باتفاق التحكيم يجب أن يثيره في أول فرصة إجرائية قبل الدخول في مناقشة أصل الدين أو تنفيذ العقد أو أحقية المدعي أو طلباته. فإذا قدم مذكرة ينكر فيها المبلغ، أو طلب رفض الدعوى لأسباب موضوعية، أو أقر بجزء من المطالبة ثم عاد لاحقًا إلى شرط التحكيم، فقد يواجه دفعًا بأن حقه في التمسك بعدم جواز نظر الدعوى قد سقط بسبب تأخره.
وتوجد تطبيقات قضائية سعودية أكدت أهمية هذا التوقيت، إذ نظرت المحاكم في ما إذا كان دفع شرط التحكيم قد سبق أي دفاع موضوعي أم لا. وهذا يوضح أن المسألة ليست نظرية، بل لها أثر مباشر في نتيجة الدعوى التجارية.
كيف تصيغ الدفع أمام المحكمة التجارية؟
الصياغة الجيدة تبدأ بتحديد العقد وتاريخ توقيعه ونص شرط التحكيم ومجاله، ثم بيان أن النزاع المرفوع يدخل ضمن المسائل التي أحالها الطرفان إلى التحكيم، ثم طلب الحكم بعدم جواز نظر الدعوى استنادًا إلى المادة الحادية عشرة. من المفيد إرفاق نسخة العقد كاملة لا قصاصة من بند واحد، لأن المحكمة تحتاج إلى التحقق من الاتفاق وسياقه ونطاقه.
وينبغي تجنب الخلط بين هذا الدفع والدفوع الموضوعية في المذكرة نفسها إذا كان الهدف حماية التوقيت. فكلما كان الدفع واضحًا ومستقلًا ومقدمًا قبل الخوض في أصل النزاع، كان الموقف الإجرائي أكثر قوة.
ماذا لو رفعت الدعوى ثم بدأ التحكيم؟

المادة الحادية عشرة لا تجعل رفع الدعوى القضائية مانعًا لبدء التحكيم أو استمراره أو صدور الحكم. لذلك قد تظهر في بعض الملفات إجراءات متوازية لفترة معينة إلى أن يُحسم الدفع القضائي أو تتضح جهة الاختصاص. لكن إدارة مسارين متزامنين تحتاج إلى استراتيجية دقيقة لتجنب تناقض المواقف أو تقديم إقرارات في أحد الملفين تؤثر في الآخر.
إذا كان الطرف المدعى عليه مقتنعًا بسلامة شرط التحكيم ويريد التمسك به، فعليه عادة أن ينظم موقفه أمام المحكمة أولًا في التوقيت الصحيح، وفي الوقت نفسه يراجع ما إذا كان من المناسب البدء في التحكيم أو الاستجابة لإجراء قائم وفق العقد والقواعد المطبقة.
ماذا لو اتفق الطرفان على التحكيم بعد رفع الدعوى؟
يعالج النظام هذا الاحتمال أيضًا. فإذا اتفق الطرفان أثناء نظر النزاع أمام المحكمة المختصة على إحالته للتحكيم، فإن النظام يقرر إحالة النزاع إلى التحكيم مع مراعاة شروط الاتفاق اللاحق. هذه الحالة تختلف عن وجود شرط تحكيم سابق، لأن الاتفاق الجديد يأتي بعد نشوء النزاع ورفع الدعوى، ويجب أن يحدد المسائل التي يشملها بصورة صحيحة.
هل كل شرط تحكيم صالح للدفع؟
لا يكفي أن توجد عبارة تتضمن كلمة «تحكيم». يجب أن يكون هناك اتفاق تحكيم مكتوب وفق النظام، وأن يكون صادرًا ممن يملك التصرف أو التمثيل الصحيح، وأن يشمل النزاع المطروح. كما يجب أن تكون صياغته قابلة للتطبيق وليست متناقضة بصورة تجعل تحديد إرادة الأطراف مستحيلًا. لذلك قد ينازع المدعي في وجود الاتفاق أو نطاقه أو سلطة الشخص الذي وقعه.
ومن المهم أن المادة التاسعة من النظام تعترف بصور متعددة للكتابة، منها الاتفاق الوارد في العقد، والمراسلات الموثقة ووسائل الاتصال الإلكترونية، وكذلك الإحالة الواضحة إلى وثيقة تتضمن شرط تحكيم. لذلك لا تنحصر صحة الاتفاق في صفحة مستقلة بعنوان «اتفاق تحكيم».
نزاع حول الصفة أو التوقيع
أحيانًا يدفع المدعي بأن الموظف الذي وقع أمر الشراء أو العقد لا يملك صلاحية إدراج شرط التحكيم. هنا لا يكفي الطرف المتمسك بالشرط أن يشير إلى التوقيع فقط، بل قد يحتاج إلى إثبات كيفية اعتماد العقد وتنفيذه وما إذا كانت الشركة تعاملت معه على أنه ملزم. وتظهر أهمية السلوك اللاحق للأطراف والمستندات المؤسسية في تقييم هذا النوع من الاعتراضات.
لكن هذه المسألة حساسة، لأن التحكيم يقوم على الاتفاق، وأي نقص في سلطة التمثيل قد يفتح نزاعًا حقيقيًا حول وجود الاتفاق نفسه. لذلك يجب فحص التفويضات والسجلات والتوقيعات قبل تقديم الدفع بثقة زائدة.
إذا كان هناك أكثر من عقد
في المشاريع المركبة قد توجد اتفاقية رئيسية، وأوامر شراء، وملاحق، واتفاقيات توريد أو صيانة، وبعضها يتضمن شرط تحكيم وبعضها لا يتضمنه. هنا لا بد من تحديد أي عقد أنشأ المطالبة محل الدعوى. لا يصح افتراض أن شرط التحكيم في عقد واحد يمتد تلقائيًا إلى كل علاقة بين الشركتين، كما لا يصح تجاهله إذا كانت المطالبة ناشئة مباشرة عن العقد الذي يتضمنه.
ولهذا من المفيد إعداد جدول للعقود: اسم العقد، تاريخه، الأطراف، بند تسوية المنازعات، المطالبة المرتبطة به. هذا الجدول يساعد على معرفة ما إذا كان الدفع شاملًا لكل الدعوى أم لجزء منها فقط.
ماذا لو تمسك المدعى عليه بالشرط متأخرًا؟

التأخير بعد الدخول في الدفاع الموضوعي يخلق مخاطرة كبيرة. النظام ربط إلزام المحكمة بالحكم بعدم جواز نظر الدعوى بأن يكون الدفع سابقًا لأي طلب أو دفاع. لذلك إذا انخرط المدعى عليه في الموضوع أولًا، قد ترى المحكمة أن حقه في الدفع الإجرائي قد سقط. وهذا ما يجعل تدريب فرق الشركات على مراجعة بنود الاختصاص والتحكيم فور وصول أي تبليغ قضائي أمرًا بالغ الأهمية.
ولا ينبغي الخلط بين سقوط هذا الدفع الإجرائي في الدعوى القضائية وبين القول بأن اتفاق التحكيم ذاته «اختفى» من الوجود في كل سياق. النتيجة الدقيقة تعتمد على الوقائع والمرحلة والإجراء، ولهذا يحتاج الملف إلى تقييم متخصص بدل استعمال عبارات عامة من نوع «الشرط انتهى» أو «المحكمة لا تختص مطلقًا».
قائمة مستندات للدفع بشرط التحكيم
- نسخة كاملة من العقد الذي يتضمن الشرط.
- أي ملحق يعدل أو يؤكد بند تسوية المنازعات.
- مستندات تبين صفة وتفويض من وقع العقد عند الحاجة.
- صحيفة الدعوى المرفوعة أمام المحكمة التجارية.
- تحليل يربط طلبات المدعي بنطاق شرط التحكيم.
- أي مراسلات سابقة تشير إلى التمسك بالتحكيم.
- ما يثبت أن الدفع يُقدم قبل أي دفاع موضوعي.
هل يجوز طلب إجراء تحفظي من المحكمة رغم شرط التحكيم؟
وجود شرط التحكيم لا يعني أن كل تواصل مع القضاء ممنوع. نظام التحكيم يفرق بين أصل النزاع وبين بعض أدوار المحكمة المساندة أو الرقابية. لذلك قد توجد حالات يكون فيها اللجوء للمحكمة لطلب تدبير وقتي أو إجراء مساعد متوافقًا مع التحكيم بحسب الظروف والنظام والقواعد. المهم ألا يتحول الطلب المساند إلى خوض في أصل النزاع على نحو يتعارض مع الاستراتيجية المختارة.
أخطاء الشركات عند وصول دعوى تجارية رغم وجود الشرط
أكثر الأخطاء شيوعًا: إرسال الرد إلى قسم المبيعات أو المالية ليجيب على المبلغ قبل مراجعة العقد، تقديم مذكرة موضوعية ثم إثارة التحكيم لاحقًا، إرفاق صفحة شرط التحكيم فقط دون العقد، عدم التحقق من أن النزاع داخل نطاق الشرط، أو الاعتماد على صياغة غامضة لا تحدد الجهة أو القواعد. ومن الأخطاء أيضًا افتراض أن مجرد ذكر شرط التحكيم في رسالة داخلية يكفي؛ المطلوب هو إبداء الدفع رسميًا أمام المحكمة في التوقيت الصحيح.
أسئلة شائعة
هل ترفض المحكمة الدعوى تلقائيًا إذا رأت شرط التحكيم؟
النص يربط الحكم بعدم جواز النظر بدفع المدعى عليه في التوقيت المحدد. لذلك لا ينبغي انتظار المحكمة لتثير المسألة بدلًا عنك.
هل يمكن بدء التحكيم بينما الدعوى أمام المحكمة؟
النظام ينص صراحة على أن رفع الدعوى لا يحول دون البدء في إجراءات التحكيم أو الاستمرار فيها أو إصدار الحكم، مع مراعاة إدارة كل ملف وفق ظروفه.
هل يمكن الاتفاق على التحكيم بعد بدء الدعوى؟
نعم، ويقرر النظام إحالة النزاع إلى التحكيم إذا اتفق الطرفان أثناء نظر الدعوى، بشرط أن يكون الاتفاق اللاحق مستوفيًا لمتطلباته ومحددًا للمسائل التي يشملها.
للمراجعة النظامية المباشرة يمكن الرجوع إلى نظام التحكيم السعودي لدى هيئة الخبراء بمجلس الوزراء، وإلى قواعد التحكيم 2023 للمركز السعودي للتحكيم التجاري عند كون التحكيم مؤسسيًا أمام المركز أو عند الرغبة في فهم آلية التعيين والرد والإجراءات.
مقالات ذات الصلة في رُجحان
- الاستشارات القانونية في السعودية
- استشارة القضايا التجارية والشركات
- استشارة محكمة التنفيذ
- استشارات قانونية في الرياض
- استشارات قانونية في جدة
- التحقق من الثقة والترخيص
الخلاصة أن شرط التحكيم بعد رفع الدعوى التجارية يظل أداة قوية، لكن قوته الإجرائية تعتمد على سرعة التمسك به وصحة صياغة الدفع وربطه بالعقد والنزاع. أول رد في القضية قد يحدد المسار بأكمله؛ لذلك يجب أن يبدأ فحص الدعوى من بند تسوية المنازعات قبل مناقشة المبلغ أو أصل الالتزام.
بيانات إعداد ومراجعة المقال
إعداد: فريق التحرير القانوني في رُجحان.
حالة المراجعة القانونية: لم تُسجّل مراجعة قانونية فردية فعلية لهذا المقال حتى الآن.
المحامي الشريك: المحامي عبد الله العتيبي – ترخيص 987/98 .
تاريخ النشر: 8 سبتمبر 2026.
الأنظمة والمصادر الرسمية
- الأنظمة السعودية – هيئة الخبراء بمجلس الوزراء
- وزارة التجارة السعودية
- المركز السعودي للأعمال
- وزارة العدل السعودية
- بوابة ناجز
- وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية
- منصة قوى
تنبيه: المعلومات الواردة في هذا المقال عامة وتثقيفية، ولا تُعد رأيًا قانونيًا خاصًا أو بديلًا عن استشارة محامٍ مرخّص يطّلع على الوقائع والمستندات كاملة.
للاطلاع على آلية المراجعة وتصحيح الأخطاء، راجع سياسة التصحيح والتحديث.
ابدأ بخطوة قانونية أوضح
أرسل ملخص المسألة والمستندات الأساسية ليتم توجيهك إلى نطاق الخدمة المناسب عبر المحامي الشريك المرخّص.
