رفض الطرف الآخر تعيين المحكم لا يعني أن التحكيم يتوقف أو أن شرط التحكيم يفقد قيمته العملية. الفكرة الأساسية في النظام السعودي أن اتفاق التحكيم لا ينبغي أن يتحول إلى أداة بيد طرف واحد لتعطيل الفصل في النزاع. فإذا اتفق الطرفان على التحكيم ثم امتنع أحدهما عن تسمية محكمه، أو رفض التعاون في اختيار المحكم الفرد، أو تعطلت آلية تعيين رئيس الهيئة، فإن هناك مسارًا نظاميًا لتجاوز هذا التعطيل مع المحافظة على حياد تشكيل الهيئة وصحة الإجراءات. وهذا المسار يختلف بحسب ما إذا كان التحكيم حرًا أم مؤسسيًا، وبحسب ما نص عليه العقد من عدد المحكمين وآلية التسمية والجهة التي تتولى التعيين عند الفشل.
عمليًا، الخطأ الأول الذي يقع فيه بعض أصحاب العقود هو القفز مباشرة إلى طلب تعيين محكم دون قراءة شرط التحكيم نفسه. فقد يكون الشرط قد حدد محكمًا فردًا، أو ثلاثة محكمين، أو أحال النزاع إلى مركز تحكيم، أو وضع مهلة وإجراءً محددًا للتسمية. لذلك يبدأ العمل الصحيح من نص الاتفاق، ثم من إثبات أن الطرف الآخر أُعطي الفرصة النظامية أو التعاقدية للتعيين ولم يستجب، ثم من اختيار الجهة المختصة بالتدخل. كل خطوة غير موثقة قد تمنح الطرف المعطل فرصة لاحقة للاعتراض على تشكيل الهيئة أو الادعاء بأنه لم يُمنح حقه في المشاركة.
ما معنى تعطيل تعيين المحكم؟

التعطيل قد يظهر بأكثر من صورة. فقد يرفض الطرف الآخر الرد أصلًا على طلب تسمية المحكم، أو يرد بأنه لا يعترف بشرط التحكيم، أو يتعمد تجاوز المهلة المحددة في العقد، أو يعيّن شخصًا لا تتوافر فيه الشروط المتفق عليها، أو يرفض التعاون في اختيار المحكم الثالث بعد تسمية محكمين. وقد يكون التعطيل أقل وضوحًا، كأن يطلب الطرف الآخر مهلًا متكررة بلا سبب أو يغير مرشحيه على نحو يمنع استقرار التشكيل.
المعيار المهم ليس مجرد وجود خلاف، بل هل استُنفدت الآلية المتفق عليها وأصبحت هناك حاجة إلى تدخل الجهة التي منحها النظام أو القواعد سلطة إكمال التعيين؟ فإذا كان العقد يحيل إلى مركز تحكيم مؤسسي، فقد تكون المؤسسة هي التي تدير التعيين. أما إذا كان التحكيم حرًا ولم تتضمن الاتفاقية جهة بديلة، فقد يكون اللجوء إلى المحكمة المختصة هو المسار النظامي.
المادة الخامسة عشرة من نظام التحكيم: نقطة الانطلاق
تنظم المادة الخامسة عشرة من نظام التحكيم السعودي كيفية اختيار المحكمين عند تعثر الاتفاق. إذا كانت الهيئة مكونة من محكم واحد ولم يتفق الطرفان على اختياره، تتولى المحكمة المختصة اختياره. وإذا كانت الهيئة من ثلاثة محكمين، يختار كل طرف محكمًا عنه ثم يتفق المحكمان على الرئيس. فإذا لم يعين أحد الطرفين محكمه خلال خمسة عشر يومًا من تسلمه طلبًا بذلك من الطرف الآخر، أو لم يتفق المحكمان على المحكم الثالث خلال خمسة عشر يومًا من تعيين آخرهما، جاز لمن يهمه التعجيل أن يطلب من المحكمة المختصة إكمال التعيين.
هذا التنظيم يعكس مبدأ مهمًا: لا يملك طرف أن يُفشل التحكيم بمجرد الامتناع. لكنه في المقابل يفرض على الطرف المبادر أن يكون دقيقًا في إثبات تاريخ الإشعار ومضمونه، لأن بدء احتساب المهلة يرتبط باستلام طلب التعيين. لذلك لا يكفي إرسال رسالة مبهمة تقول «سمّوا محكمكم»، بل الأفضل أن تتضمن الإشارة إلى العقد وشرط التحكيم وعدد المحكمين والمرشح أو الإجراء المطلوب والمهلة التي سيُبنى عليها الطلب التالي.
ماذا لو كانت آلية التعيين منصوصًا عليها بالتفصيل؟
إذا اتفق الأطراف على إجراء خاص، فالأصل احترامه ما دام لا يخالف الأحكام الآمرة. وقد يضع العقد جهة تسمية احتياطية، أو يمنح مؤسسة تحكيم سلطة تعيين المحكم عند إخفاق أحد الطرفين، أو يحدد طريقة قائمة مرشحين. في هذه الحالة لا يصح تجاوز الإجراء المتفق عليه والتوجه إلى مسار آخر دون مبرر، لأن الطرف الآخر قد يدفع بأن التعيين تم بالمخالفة لاتفاق التحكيم.
والنظام يعالج أيضًا حالة تعثر الإجراء المتفق عليه نفسه؛ فإذا خالف أحد الطرفين آلية الاختيار، أو تعذر اتفاق المحكمين على ما يلزم اتفاقهما عليه، أو تخلف الغير المكلف بالتعيين عن أداء دوره، تتولى المحكمة المختصة ـ بناءً على طلب من يهمه التعجيل ـ القيام بالإجراء اللازم ما لم يكن الاتفاق قد وضع طريقة بديلة أخرى.
التحكيم المؤسسي مختلف عن التحكيم الحر

في التحكيم المؤسسي أمام المركز السعودي للتحكيم التجاري، قواعد المركز لعام 2023 تمنح مجلس القرارات الفنية دورًا محوريًا في تعيين المحكمين. القواعد تسمح للأطراف بالاتفاق على إجراءات الترشيح، لكنها في النهاية تجعل التعيين المؤسسي تحت إشراف المركز، بحيث لا يستطيع طرف تعطيل الملف إلى أجل غير مسمى. كما تسمح القواعد باستخدام طريقة القوائم أو التعيين المباشر وفق ظروف القضية، مع مراعاة الحياد والاستقلال وتوافر المرشح وقدرته على إدارة النزاع وفق القواعد.
وهنا تظهر أهمية معرفة نوع التحكيم منذ البداية. إذا كان العقد يقول «التحكيم لدى المركز السعودي للتحكيم التجاري وفق قواعده»، فلا ينبغي التعامل مع التعيين وكأنه تحكيم حر. أما إذا اكتفى العقد بعبارة عامة تحيل النزاع إلى التحكيم من غير تعيين مؤسسة، فيجب قراءة بقية الاتفاق لمعرفة عدد المحكمين وطريقة اختيارهم والجهة المختصة عند التعثر.
كيف تثبت رفض الطرف الآخر أو تقاعسه؟
الإثبات الجيد يبدأ بملف زمني. ضع نسخة العقد، واتفاق التحكيم إن كان مستقلاً، ثم خطاب طلب تعيين المحكم، وإثبات إرساله واستلامه، وأي ردود لاحقة، وأي مراسلات منحت مهلة إضافية. إذا كان التواصل بالبريد الإلكتروني فاحتفظ بالرسالة الأصلية وبياناتها، وإذا كان عبر منصة أو بريد مسجل فاحتفظ بإثبات التسليم. وإذا كان الطرف الآخر قد أعلن صراحة رفضه للتحكيم أو التعيين، فهذه الرسالة من أهم المستندات.
ويستحسن أيضًا تجنب المراسلات المربكة. لا تخلط في خطاب واحد بين مفاوضات التسوية والتهديدات والطلبات الفنية. اجعل طلب التعيين واضحًا ومحددًا، حتى يستطيع القاضي أو الجهة المؤسسية لاحقًا أن يرى بسهولة أن المطلوب وصل، وأن المهلة مضت، وأن الطرف الممتنع كان يعلم بما يجب عليه فعله.
ما الذي يرفق بطلب التعيين أمام المحكمة؟

عمليًا، يحتاج طالب التعيين إلى بناء ملف يثبت ثلاثة أمور: وجود اتفاق تحكيم مكتوب، وفشل آلية التعيين المتفق عليها أو النظامية، وتحديد ما المطلوب من المحكمة بالضبط. لذلك تتكرر ضمن المستندات نسخة العقد وشرط التحكيم، والمراسلات الخاصة بالتعيين، وإثبات التبليغ، وبيانات الأطراف، وما يثبت صفة مقدم الطلب، وأي شروط خاصة اتفق عليها الطرفان في المحكم مثل المؤهل أو الخبرة أو اللغة.
كما ينبغي الانتباه إلى أن المحكمة عند اختيارها المحكم تراعي الشروط التي نص عليها اتفاق الطرفين والشروط التي يتطلبها النظام. فالمسألة ليست اختيار أي شخص لإنهاء التعطيل، بل اختيار شخص صالح قانونًا ومستقلًا وقادرًا على إدارة النزاع. ولهذا فإن النزاع حول التعيين لا ينبغي أن يتحول إلى وسيلة لفرض محكم غير مناسب على الطرف الآخر.
هل يمكن الاعتراض على المحكم بعد تعيينه؟
نعم، لكن الاعتراض على شخص المحكم يختلف عن رفض مبدأ التحكيم أو رفض المشاركة في التعيين. فبعد التعيين قد تظهر أسباب تتعلق بالحياد أو الاستقلال أو عدم توافر المؤهلات المتفق عليها. في التحكيم المؤسسي تكون هناك إجراءات ومواعيد محددة لطلبات الرد، وفي التحكيم الخاضع للنظام توجد أحكام تنظم واجب الإفصاح والرد. لذلك لا ينبغي استخدام الامتناع عن التعيين كبديل عن سلوك طريق الرد النظامي إذا كانت المشكلة الحقيقية تتعلق بشخص المحكم.
هل يفيد الادعاء بأن شرط التحكيم باطل في وقف التعيين؟
ليس بالضرورة. وجود اعتراض على الاختصاص أو على صحة اتفاق التحكيم لا يعني تلقائيًا تجميد كل خطوة. في التحكيم المؤسسي، قد تستمر المؤسسة في تشكيل الهيئة ثم تحال مسألة الاختصاص إلى هيئة التحكيم بعد تشكيلها وفق القواعد. وفي السياق القضائي، يختلف أثر الاعتراض بحسب المرحلة والطلب المطروح وطبيعة الاتفاق. لذلك يجب التمييز بين سؤال «من يعيّن المحكم؟» وسؤال «هل يملك المحكم أصلًا اختصاص نظر النزاع؟»؛ فهما سؤالان متصلان لكنهما ليسا شيئًا واحدًا.
تسلسل عملي لتجاوز التعطيل
- مراجعة شرط التحكيم بدقة وتحديد ما إذا كان مؤسسيًا أم حرًا.
- تحديد عدد المحكمين وآلية التسمية والمهل.
- إرسال طلب تعيين رسمي قابل للإثبات.
- احتساب المهلة من تاريخ الاستلام، لا من تاريخ إعداد الخطاب.
- جمع ملف كامل للمراسلات وإثبات الرفض أو عدم الرد.
- استخدام آلية المؤسسة إن كان التحكيم مؤسسيًا.
- التقدم للمحكمة المختصة عند تحقق شروط التدخل في التحكيم الحر.
- مراجعة أي تعارض مصالح أو أسباب رد بعد صدور التعيين.
أخطاء شائعة يجب تجنبها
من أخطر الأخطاء: تعيين محكم من طرف واحد في حالة لا يسمح بها الاتفاق، أو احتساب المهلة دون إثبات استلام الطرف الآخر، أو مخاطبة جهة غير مختصة، أو إغفال شرط يحدد مؤهلات المحكم، أو اختيار مرشح له علاقة سابقة مؤثرة ولم يفصح عنها، أو الدخول في مناقشات موضوع النزاع مع المحكم المحتمل قبل اكتمال التعيين. كما أن التهديد بإيقاف المشروع أو حجز الأموال لا علاقة له بتشكيل الهيئة وقد يفتح نزاعًا جانبيًا لا يفيد مسار التحكيم.
أسئلة شائعة
هل رفض الطرف الآخر التحكيم يلغي الشرط؟
لا. الرفض اللاحق من طرف واحد لا يلغي اتفاق التحكيم الصحيح، وإنما تُستخدم الآلية النظامية أو المؤسسية لتجاوز عدم التعاون.
كم المهلة في حالة ثلاثة محكمين؟
نظام التحكيم يقرر ـ في الحالة المبينة في المادة الخامسة عشرة ـ مهلة خمسة عشر يومًا لتعيين الطرف لمحكمه بعد تسلم الطلب، وكذلك خمسة عشر يومًا لاتفاق المحكمين على الثالث بعد تعيين آخرهما، ما لم تكن هناك آلية أخرى منطبقة وفق الاتفاق.
هل قرار المحكمة بتعيين المحكم يمكن الطعن فيه مستقلاً؟
النظام ينص على أن قرار المحكمة المختصة باختيار المحكم وفق أحكام المادة الخامسة عشرة لا يقبل الطعن فيه استقلالًا بأي طريق من طرق الطعن، مع بقاء الأحكام الأخرى المتعلقة بالبطلان والرقابة القضائية في مراحلها النظامية.
للمراجعة النظامية المباشرة يمكن الرجوع إلى نظام التحكيم السعودي لدى هيئة الخبراء بمجلس الوزراء، وإلى قواعد التحكيم 2023 للمركز السعودي للتحكيم التجاري عند كون التحكيم مؤسسيًا أمام المركز أو عند الرغبة في فهم آلية التعيين والرد والإجراءات.
مقالات ذات الصلة
- الاستشارات القانونية في السعودية
- استشارة القضايا التجارية والشركات
- استشارة محكمة التنفيذ
- استشارات قانونية في الرياض
- استشارات قانونية في جدة
- التحقق من الثقة والترخيص
الخلاصة أن الطرف المعطل لا يملك حق تعطيل التحكيم إلى ما لا نهاية. القوة الحقيقية للموقف ليست في كثرة الرسائل، بل في اتباع آلية التعيين الصحيحة وتوثيق كل مرحلة. وإذا كان شرط التحكيم واضحًا وملف الإشعارات منظمًا، يمكن الانتقال من حالة الجمود إلى تشكيل هيئة تحكيم صحيحة دون منح الطرف الآخر فرصة قوية للطعن في المسار لاحقًا.
بيانات إعداد ومراجعة المقال
إعداد: فريق التحرير القانوني في رُجحان.
حالة المراجعة القانونية: لم تُسجّل مراجعة قانونية فردية فعلية لهذا المقال حتى الآن.
المحامي الشريك: المحامي عبد الله العتيبي – ترخيص 987/98 .
تاريخ النشر: 8 سبتمبر 2026.
الأنظمة والمصادر الرسمية
- الأنظمة السعودية – هيئة الخبراء بمجلس الوزراء
- وزارة التجارة السعودية
- المركز السعودي للأعمال
- وزارة العدل السعودية
- بوابة ناجز
- وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية
- منصة قوى
تنبيه: المعلومات الواردة في هذا المقال عامة وتثقيفية، ولا تُعد رأيًا قانونيًا خاصًا أو بديلًا عن استشارة محامٍ مرخّص يطّلع على الوقائع والمستندات كاملة.
للاطلاع على آلية المراجعة وتصحيح الأخطاء، راجع سياسة التصحيح والتحديث.
ابدأ بخطوة قانونية أوضح
أرسل ملخص المسألة والمستندات الأساسية ليتم توجيهك إلى نطاق الخدمة المناسب عبر المحامي الشريك المرخّص.
