التحكيم في عقود المقاولات عند اختلاف الجهة المالكة والمقاول على المستخلصات من أكثر صور التحكيم التجاري التي تحتاج إلى مزج دقيق بين القانون والهندسة والمحاسبة. المستخلص ليس مجرد فاتورة يصدرها المقاول، بل وثيقة ترتبط بنسبة الإنجاز، والكميات المقاسة، والأعمال المعتمدة، والاحتجازات، والخصومات، وأوامر التغيير، والغرامات، وقد تتأثر بتقارير الاستشاري أو مدير المشروع. لذلك فإن النزاع حول مستخلص واحد قد يكشف خلافًا أوسع حول نطاق العقد، أو جودة الأعمال، أو التأخير، أو الأعمال الإضافية.
وجود شرط تحكيم في عقد المقاولة يغيّر مسار النزاع؛ فبدل أن يذهب الطرفان مباشرة إلى المحكمة للنظر في أصل المطالبة، تُحال المنازعة إلى هيئة التحكيم وفق الاتفاق والقواعد المعتمدة. لكن التحكيم لا يعفي المقاول من عبء إثبات كل كمية وكل مبلغ، ولا يمنح الجهة المالكة حق رفض المستخلصات لمجرد عدم الرضا. كلا الطرفين يحتاج إلى ملف فني ومالي متماسك.
متى يدخل نزاع المستخلصات في نطاق شرط التحكيم؟

القاعدة العملية هي الرجوع إلى صياغة الشرط. إذا كان يغطي جميع المنازعات الناشئة عن العقد أو المتعلقة به، فإن نزاعات المستخلصات والكميات والأعمال الإضافية والتأخير والعيوب غالبًا ما تكون في صلب العلاقة التعاقدية. ومع ذلك يجب التحقق من أي استثناءات أو خطوات سابقة إلزامية مثل التفاوض أو قرار المهندس أو لجنة فض نزاع قبل بدء التحكيم.
ومن المهم لمن واجه دعوى قضائية رغم وجود الشرط مراجعة التمسك بشرط التحكيم بعد رفع دعوى أمام المحكمة التجارية. وإذا حاول أحد الطرفين تعطيل تشكيل الهيئة، فإن تعيين محكم رغم رفض الطرف الآخر يوضح أن عدم التعاون لا يعني بالضرورة سقوط المسار التحكيمي.
ما القيمة الإثباتية للمستخلص؟
المستخلص المعتمد من الاستشاري أو ممثل المالك قرينة قوية على الأعمال والقيمة التي تم قبولها، لكنه لا يعني في كل الحالات أن جميع المسائل أصبحت نهائية وغير قابلة للمراجعة. بعض العقود تعتبر الشهادات المرحلية مؤقتة حتى الحساب الختامي، وبعضها يمنح الاستشاري صلاحيات محددة في القياس والاعتماد. لذلك يجب قراءة العقد لمعرفة أثر الاعتماد أو الرفض وحدوده.
وفي المقابل، المستخلص غير المعتمد ليس عديم القيمة تمامًا. إذا استطاع المقاول إثبات التنفيذ الفعلي من خلال القياسات والمخططات والتقارير ومحاضر الموقع والصور واعتمادات المواد والمراسلات، يمكن للهيئة والخبير تقييم الاستحقاق بعيدًا عن مجرد ختم الاعتماد. النزاع الحقيقي هو: هل العمل تم؟ هل كان مطلوبًا؟ هل يطابق العقد؟ وما قيمته؟
أسباب شائعة لرفض المستخلصات
قد ترفض الجهة المالكة أو الاستشاري مستخلصًا بسبب إدراج كميات غير منفذة، أو وجود عيوب، أو نقص مستندات الفحص، أو أعمال إضافية غير معتمدة، أو تطبيق سعر يرى المالك أنه غير صحيح، أو خصم غرامات وتأخيرات، أو وجود دفعات مقدمة لم تتم تسويتها. وقد يكون الرفض مشروعًا في بعض البنود وتعسفيًا في بنود أخرى؛ لذلك فإن معالجة النزاع بندًا بندًا أهم من مهاجمة المستخلص كله دفعة واحدة.
إذا ارتبط الخلاف بعيوب ظهرت بعد الاستلام، يمكن الاستفادة من دليل عيوب التنفيذ بعد الاستلام ومسؤولية المقاول لفهم الفرق بين العيوب الظاهرة والخفية والتوثيق الفني. أما إذا كان الخلاف ماليًا وتجاريًا في المقام الأول، فمراجعة استشارة محامي تجاري خبير تساعد في ضبط المطالبات المتقابلة.
ملف الإثبات الذي يحتاجه المقاول

يجب أن يبدأ الملف بعقد المقاولة وجميع الملاحق، ثم جدول الكميات، والمخططات، والمواصفات، والبرنامج الزمني، وأوامر التغيير، وطلبات الفحص، وتقارير الاختبارات، ومحاضر الاجتماعات، وتقارير التقدم، والمستخلصات السابقة، وكشوف القياس، والفواتير، والمراسلات. كما ينبغي ترتيب نسخة زمنية توضح متى نُفذ كل بند ومتى قُدم المستخلص ومتى رُفض ولماذا وكيف رد المقاول.
الصور والفيديوهات مفيدة إذا كانت مؤرخة ومربوطة ببند محدد، لكنها لا تستبدل القياسات والاعتمادات الفنية. كما أن شهادات الموظفين أو المهندسين قد تكون مساندة، لكن قوة الملف عادة تأتي من المستندات المعاصرة للتنفيذ، لا من رواية تُكتب بعد توقف المشروع.
دور الخبير في تحكيم المقاولات
في كثير من المنازعات تكون الخبرة الهندسية والمحاسبية حاسمة. الخبير قد يطلب ملفات إلكترونية، جداول قياس، مخططات As-Built، تقارير فحص، أو يقوم بزيارة الموقع إن كان ذلك ممكنًا. لذلك لا ينبغي للطرف أن ينتظر تعيين الخبير حتى يبدأ فرز ملفه؛ الأفضل تجهيز جدول مطالبة Claim Matrix يربط كل بند بالمستند، والكمية، والسعر، والاعتماد، ورد الطرف الآخر.
كما يجب التفريق بين الخبير المعين من الهيئة والخبير الذي يستعين به أحد الأطراف. تقرير خبير الطرف يساعد في بناء المطالبة وشرحها، لكن الهيئة قد تعين خبيرًا مستقلًا إذا رأت الحاجة. المهم أن تكون الافتراضات والطرق الحسابية قابلة للمراجعة وليست مجرد أرقام نهائية.
الأعمال الإضافية وأوامر التغيير
واحدة من أكثر نقاط النزاع حساسية هي الأعمال التي نُفذت دون أمر تغيير مكتوب. بعض العقود تشترط الكتابة بصرامة، بينما يكشف الواقع عن تعليمات ميدانية أو موافقات لاحقة أو استفادة فعلية من العمل. في التحكيم يجب تحليل النص والسلوك والمراسلات: هل طلب المالك أو الاستشاري العمل؟ هل اعترض المقاول على اعتباره ضمن النطاق الأصلي؟ هل أدرجه في مستخلصات سابقة؟ هل قُبل جزء منه؟ هذه الوقائع تحدد قوة المطالبة.
الاحتجازات والخصومات والمقاصة
قد تحجز الجهة المالكة نسبة ضمان أو تخصم غرامات أو تكاليف إصلاح أو مبالغ تزعم أنها دفعتها بديلًا عن المقاول. على الطرف الذي يجري الخصم أن يوضح أساسه التعاقدي والحسابي، وعلى المقاول أن يرد على كل خصم منفصلًا. الخطأ هو الاكتفاء بصافي رقم نهائي دون تفصيل؛ لأن هيئة التحكيم تحتاج إلى معرفة تكوين الحساب.
كيف يبدأ التحكيم عمليًا؟
يبدأ بمراجعة الشرط والقواعد المختارة، ثم إشعار التحكيم والطلبات الأولية وتشكيل الهيئة. يمكن الرجوع إلى دليل ترتيب ملف الشركة بعد وصول إشعار تحكيم عند تلقي الطلب، وإلى دليل تنظيم صحيفة المطالبة التجارية لترتيب الوقائع والطلبات بصورة منطقية حتى في التحكيم. نظام التحكيم السعودي منشور عبر هيئة الخبراء بمجلس الوزراء، كما توفر قواعد التحكيم 2023 للمركز السعودي للتحكيم التجاري إطارًا مؤسسيًا تفصيليًا إذا اختار الأطراف التحكيم وفق قواعد المركز.
ماذا لو انتهى التحكيم بحكم لصالح أحد الطرفين؟
يجب التفكير مبكرًا في مرحلة ما بعد الحكم. قد يواجه الحكم دعوى بطلان أو طلب تنفيذ. لذلك يفيد الاطلاع على بطلان حكم التحكيم عند تجاوز نطاق الاتفاق ووقف تنفيذ حكم التحكيم أثناء نظر دعوى البطلان. وإذا كان للمقاول أو المالك أصول أو أطراف خارج المملكة، فإن تنفيذ حكم تحكيم أجنبي على أصول داخل السعودية يوضح جانبًا مهمًا من مرحلة التنفيذ.
التسوية أثناء التحكيم
التسوية ليست اعترافًا بضعف الموقف. أحيانًا تكون أفضل اقتصاديًا عندما يتضح أن الطرفين يملكان مطالبات متبادلة أو أن كلفة الخبرة ستصبح كبيرة. ويمكن بناء تسوية على اعتماد جزء من المستخلصات، وجدولة جزء آخر، وتسوية الأوامر التغييرية، والاتفاق على نطاق الإصلاح، وإغلاق المطالبات المتبادلة بطريقة محددة. المهم ألا تكون المخالصة غامضة.
أخطاء تضعف قضية المستخلصات
من الأخطاء: تقديم آلاف الصفحات دون فهرسة، الاعتماد على مستخلص إجمالي دون كشف القياس، عدم فصل الأعمال الأصلية عن الإضافية، إغفال المراسلات التي تشرح أسباب الرفض، عدم الرد على خصومات المالك بندًا بندًا، وعدم ربط التأخير المالي بأثر محدد على التنفيذ. كما أن تجاهل المهل التعاقدية للإشعار قد يخلق دفعًا إجرائيًا كان يمكن تجنبه.
أسئلة شائعة
هل توقيع الاستشاري يحسم حق المقاول نهائيًا؟
يعتمد ذلك على العقد وصلاحيات الاستشاري وطبيعة المستخلص؛ فقد يكون الاعتماد مرحليًا وقابلًا للمراجعة في الحساب الختامي، لكنه يبقى دليلًا مهمًا.
هل يمكن للمقاول المطالبة بأعمال غير مدرجة في مستخلص سابق؟
يمكن أن يحاول ذلك إذا كان لديه أساس تعاقدي وإثبات كافٍ، لكن التأخير في تسجيل المطالبة أو التحفظ عليها قد يضعفها.
من يختار الخبير؟
قد يقدم كل طرف خبيره، وقد تعين هيئة التحكيم خبيرًا مستقلًا. الأمر يتوقف على قواعد القضية وقرار الهيئة.
هل التحكيم أسرع دائمًا؟
ليس بالضرورة. السرعة تعتمد على حجم المستندات وعدد المطالبات وتعاون الأطراف والحاجة إلى خبرة. التحضير الجيد أهم من الافتراض أن المسار سيكون قصيرًا تلقائيًا.
البرنامج الزمني وتأثير تأخر اعتماد المستخلص على المشروع
نزاع المستخلصات لا ينفصل عن البرنامج الزمني. إذا تأخر اعتماد دفعة كبيرة فقد يدعي المقاول أن ذلك أثر في شراء المواد أو استمرار العمالة أو دفع الموردين، بينما قد يقول المالك إن التأخير في الإنجاز سبق النزاع المالي. لذلك يجب بناء تحليل زمني يربط كل مستخلص بتاريخ استحقاقه وتاريخ تقديمه وملاحظات الاستشاري وتاريخ الرد، ثم مقارنته بمسار التنفيذ الفعلي. هذا التحليل يساعد في تحديد السبب الحقيقي للتأخير بدل الاكتفاء بعبارات عامة.
وقد يحتاج الطرف إلى خبير تأخير يدرس المسار الحرج، وأحداث التأخير المتزامنة، وأوامر التغيير، وفترات تعليق العمل. لكن لا ينبغي استخدام خبرة التأخير لتغطية نقص المستندات الأساسية؛ فهي تعتمد أصلًا على برنامج زمني موثوق وتقارير يومية ومراسلات معاصرة للأحداث.
ماذا لو دفع المالك جزءًا من المستخلص ورفض الباقي؟
الدفع الجزئي قد يكون دليلًا على قبول جزء من الأعمال، لكنه لا يحسم بالضرورة الباقي. يجب تحليل بيان الاعتماد أو إشعار الدفع لمعرفة البنود المقبولة والمخصومة. إذا لم يكن سبب الخصم محددًا، ينبغي للمقاول طلب بيان تفصيلي فورًا. وإذا قبل المقاول المبلغ الجزئي، فمن الحكمة توثيق أن الاستلام لا يعني التنازل عن الرصيد المتنازع عليه ما لم تكن هناك مخالصة صريحة.
المستخلص النهائي والحساب الختامي
عند نهاية المشروع تصبح الحساسية أكبر، لأن الحساب الختامي يجمع عادة الأعمال الأصلية والإضافية والاحتجازات والتعويضات والخصومات. توقيع مخالصة نهائية غير مدروسة قد يخلق نزاعًا حول ما إذا كانت المطالبات السابقة قد انقضت. لذلك يجب حصر المطالبات المعلقة وإثبات التحفظات قبل توقيع أي تسوية نهائية، مع فصل المبالغ المتفق عليها عن البنود التي ما زالت محل نزاع.
وفي التحكيم، يعرض الحساب الختامي بصورة أفضل عندما يكون في جدول واضح يبدأ بقيمة العقد الأصلية، ثم التغييرات، ثم الكميات المعتمدة، ثم المدفوعات، ثم الخصومات، ثم الرصيد. هذا الأسلوب يختصر وقت الهيئة والخبير ويمنع ضياع المطالبة بين مئات المرفقات.
خلاصة

التحكيم في نزاع المستخلصات ينجح عندما يتحول ملف المشروع من أكوام مراسلات وجداول إلى قصة إثبات واضحة: ما الذي تعاقد عليه الطرفان، ما الذي نُفذ، ما الذي اعتمد، ما الذي رُفض، ولماذا، وما القيمة المستحقة بعد الخصومات الصحيحة. كلما بدأ هذا التنظيم مبكرًا، كانت قدرة المقاول أو المالك على الدفاع عن موقفه أقوى، سواء انتهت الخصومة بتسوية أو بحكم تحكيم.
بيانات إعداد ومراجعة المقال
إعداد: فريق التحرير القانوني في رُجحان.
حالة المراجعة القانونية: لم تُسجّل مراجعة قانونية فردية فعلية لهذا المقال حتى الآن.
المحامي الشريك: المحامي عبد الله العتيبي – ترخيص 987/98 .
تاريخ النشر: 9 سبتمبر 2026.
الأنظمة والمصادر الرسمية
- الأنظمة السعودية – هيئة الخبراء بمجلس الوزراء
- وزارة التجارة السعودية
- المركز السعودي للأعمال
- وزارة العدل السعودية
- بوابة ناجز
- وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية
- منصة قوى
تنبيه: المعلومات الواردة في هذا المقال عامة وتثقيفية، ولا تُعد رأيًا قانونيًا خاصًا أو بديلًا عن استشارة محامٍ مرخّص يطّلع على الوقائع والمستندات كاملة.
للاطلاع على آلية المراجعة وتصحيح الأخطاء، راجع سياسة التصحيح والتحديث.
ابدأ بخطوة قانونية أوضح
أرسل ملخص المسألة والمستندات الأساسية ليتم توجيهك إلى نطاق الخدمة المناسب عبر المحامي الشريك المرخّص.
